مواقف القوى السياسية الوطنية العراقية


الدستور العراقي المؤقت لعام 1958 هو الحلّ

بيان الحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية)

نسخة PDF

لا بخفى أن العراق في محنة، محنة الخراب الذي خلّفه النظام الوحشي المنهار، ومحنة الإحتلال الذي يمتلك أقوى آليّات الدمار العسكري ويفتقد أوليات العقل والحكمة. فلا شك في جسامة المحنة الراهنة وما تنطوي عليه من أخطار واحتمالات. بيد أن المحن على ما فيها من آلام ودمار تنطوي على قدر من الخيار والاختيار.المشكلة هنا هل أن شعبنا في أوضاع التمزق السياسي والفراغ الروحي وتضاؤل الأمل قادر على اجتياز المحنة بنجاح وبلوغ شاطئ النجاة؟ نعم إنها مشكلة شائكة لا يتجاهل خطورتها إلا أحمق. إننا نعتقد بأن مفتاح هذه المشكلة ما زال بأيدي القوى الوطنية لو شاءت إنقاذ البلاد.فالمطلوب اليوم الوحدة الوطنية حول ميثاق وطني للحد الأدنى يعبر عن الطموح العادل والدفين للأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية ومن أطياف الشعب العراقي. نقصد بذلك الإتفاق حول حل مشكلة الدستور.هذه القضية ليست مسألة فقهية أو قانونية لتضطلع بحلها لجنة أو لجان من المتخصصين، بقدر ما تكون قضية التعبير الصادق عن الإرادة الشعبية وخلق الظروف الضرورية للعدل والتقدم والحرية والمساواة أمام القانون.إن أهم أسس الدستور هو إجماع الشعب على الرضا به والتقيد بأحكامه.نعم إن للمختصين دوراً في صياغة الدستور، ولكن يقتضي أن يتمتع هؤلاء بتفويض شعبي لا يتم بغير مجلس تأسيسي منتخب أنتخاباً عادلاً وشرعياً. لذلك نؤيد ما دعا اليه السيّد السيستاني بهذا الخصوص. لقد أشرنا في بياننا المؤرخ (23/9/2003) الى أهمية التوافق الوطني على مشكلة صياغة الدستور وعلى الطريقة الفضلى لحلها، فقلنا:

“أن العقبة الكبرى في سبيل تحقيق الوحدة الوطنية المنشودة هي مشكلة الدستور الذي تجمع عليه كافة أطياف الشعب العراقي، والتي من شأنها تسهيل نقل السيادة الوطنية الكاملة لحكومة عراقية تحظى بثقة الغالبية الساحقة من العراقيين. نعم قد يتصور البعض أن الانسحاب الأمريكي ضرب من الخيال ولكن الوقائع تشير الى فشل المغامرة الأمريكية في العراق، ... وصعوبة مشكلة الدستور تتعلق بالإرث الدموي الذي خلفه النظام المقبور الى جانب المساعي لإدخال نظام ٍطائفي تجاوزه العراق منذ قرون خلت. ونرى أن الحل الأمثل هو الإتفاق على الدستور العراقي لعام 1958.كدستور مؤقت لحين انتخاب جمعية تأسيسية لها صلاحية تعديل الدستور او تغييره. هذا الإقتراح يلقى الآن قبولاً متزايداً في المحا فل الدولية وفي مقدمة ذلك الأمين العام للأمم المتحدة. فقد أوردت مثلا صحيفة (الشرق الأوسط) في 23 من أيلول الجاري ما يلي:“يرى كوفي انان أن دستور العراق لعام 1958 قد يكون أساساً صالحا للإسراع في نقل السلطة الى العراقيين. وأبلغ السفراء العرب بان ذلك الدستور يحظى بتأييد غالبية العراقيين..”

ولقد كشفت الأيام الأخيرة أهمية ما دعونا اليه.إذ كانت دعوة وزير الخارجية الأمريكية الى الإعلان عن حكومة منتخبة في العراق خلال ستة أشهر كرد على دعوات كل من فرنسا والامين العام للأمم المتحدة لنقل السيادة الى حكومة عراقية شرعية عاملاً على تحرك بعض من أعضاء مجلس الحكم الإنتقالي الى المطالبة بإرجاء الإنتخابات ونقل السلطة بذرائع واهية، في حين إقترح “أحد المسوؤلين الأكراد” العودة الى الوضع الذي كان عليه العراق أبان العهد العثماني (الشرق الأوسط 6/10 الجاري). وهذا أمر غريب جداً اذا علمنا أن نظام الولايات الثلاث في العراق جاء إثر الإحتلال العثماني وتهديم بغداد، عام 1830، ووأد أول نهضة حضارية للشعب الكردي في العصر الحديث، التي تمكزت حول مدينة السليمانية وانتشرت الى نواحَ واسعة في كردستان. إذ كان تاسيس السليمانية مقترناً باستقلال العراق عن السيطرة العثمانية. أن مثل هذه الدعوة تأتي في وقت طرح التدخل العسكري التركي في العراق للتصويت في البرلمان بأنقرة بمساندة وإلحاح من واشنطن.أن نهضة الشعب الكردي في العصر الحديث كانت جزءاً ورافداً في نهوض الشعب العراقي بجميع أطيافه.

المشكلة الجديدة هنا محاولة بعض الأوساط الأمريكية إطالة فترة الإحتلال بافتعال أو تعميق الخلافات بين القوى الداخلة في مجلس الحكم الإنتقالي حول ًالدستور المقترح.لذلك يقدم مشروع تبني دستور عام 1958 مزية أضافية أخرى وذلك باختصار الوقت لنقل السلطة الى حكومة عراقية منتخبة وتوفير الوقت اللازم لإعداد دستور ومتقدم ومنسجم مع تراثنا الروحي والثقافي ويليق بعصر العولمة العادلة والديمقراطية الجديدة وليس العودة الى عهد السلاطين العثمانيين. أن الشعب العراقي المحروم والمعذب يستحق أكثر الدساتير تقدماً وأرسخها للعدل وأشدها ضماناً لديمومة حياة آمنة مستقرة حرة وكريمة لا تسمح بقيام صدام جديد.

ولا بد من القول أن عملية إعداد دستور دائم جديد يلبي الطموحات المشروعة لجميع أطياف الشعب العراقي، هي عملية طويلة ومعقدة لا يمكن طبخها بقِدر ضغط أمريكي عاطل وطباّخين متعلمين.أن الدستور العراقي لعام 1958، كان ولا يزال دستوراً مؤقتا،ً لذلك فهو قابل للتعديل والتبديل لا يلزم الدولة العراقية لغير فترة انتقال من مرحلة الجمعية التأسيسة التي يمكن ويجب أن تحدد بالزمن اللازم لدورة برلمانية واحدة ـ أي أربع أو خمس سنوات. ومن ثم تأتي فترة إعداد الدستور الدائم التي يمكن أن تكمل بدورة أو دورتين برلمانيتين.ومن جهة أخرى كان دستور عام 1958 المؤقت يمثل إجماع القوى الوطنية التي إئتلفت في جبهة الإتحاد الوطني وتتوجت بثورة 14 تموز التي حققت تحرر العراق من التبعية البريطانية .وكما هو معروف لمن واكبوا تلك الموجة التاريخية أنها أنحرفت وتدهورت إثر انفراط جبهة الإتحاد الوطني وسقطت ضحية لعصابة البعث المدعومة من قبل عين القوى الأجنبية التي تحتل العراق اليوم.

وكما كان الإنحراف عن نهج وإئتلاف ودستور ثورة 14 تموز 1958 قد قاد الى عصر من الظلام دام اربعين عاما،يمكن أن يكون الإئتلاف حول دستور عام 1958 فاتحة عهد جديد يحقق للشعب العراقي بكل أطيافه ما يصبو اليه من أمان وتحرر وطني وديموقراطية تعددية وتقدم نحو مستقبل زاهر.

الحزب الشيوعي العراقي (القيادة المركزية) بغداد ـ 8/10/2003