مواقف القوى السياسية الوطنية العراقية

مقابلة مع الدكتور وميض عمر نظمي بغداد , نيسان 2004

الدكتور وميض عمر نظمي رئيس تحرير جريدة العرب التي تصدر في بغداد التي تمثل الاتجاه القومي العربي الناصري في العراق. المقابلة جرت في شهر نيسان الماضي ولكن يبقى للمقابلة أهميتها الكبيرة في الضروف الحالية التي تتطلب تظافر القوى الوطنية كافة.

د ع ض إ (الديمقراطيون العراقيون ضد الاحتلال): د. وميض ماهي برأيك الغاية من التصعيدات الاخيرة وكيف بدأت وما هي دوافع قوات الاحتلال في قمعها العسكري للتحركات الشعبية في الفلوجة والصدر ومناطق أخرى في العراق وما هو الهدف من هذا التصعيد.

د. وميض: السؤال مهم والجواب واضح المحصلة لهذا التصعيد هو حماقة من الادارة الامريكية في العراق ولا اعلم أن كان هذا بأيعاز من واشنطن لانهم صَعدوا مسائل ما كان من المهم تصعيدها بهذا الشكل واضافة الى ذلك انه وفي الوقت الذي كان المفروض من قبل الادارة الاستعمارية ان تحرك مسائل محددة في مناطق معينة فهي فتحت جبهتين في وقت واحد مما حقق رد فعل شعبي واسعا لم يعد محصوراً في منطقة معينة من العراق انما امتد الى مناطق اخرى في جنوب العراق والفرات الاوسط والمدن المقدسة وهذا خلق أزمة حقيقية للاحتلال الامريكي هل هذا يدل على تخطيط سياسي، عدم معرفة بالعراق، الانخداع بنصائح بعض عملاء الاستعمار الامريكي قد يكون الامر كذلك لكني سمعت بالأمس وانا أميل اليه انه نوع من الرغبة المسبقة هم يريدون تصفية بؤر التعرض والثورة والمقاومة في وقت مبكر نسبياً لكي تأتي عملية الانتخابات الامريكية في اوائل شهر تشرين الثاني بعد مرحلة يعتقدون انها ستكون سلمية في العراق لكي يؤمنوا انتخاب السيد بوش ولكن هذا أمتد عليهم ايضاً لانه الآن قد أضطروا الى طلب وقف اطلاق النار وأضطروا الى قبول مبدأ التفاوض مع من كانوا يسمونهم سابقاً الأرهابيين واليوم يسمونهم العدو كأنهم يحاربون في بلدهم وأضطروا الى التفاوض مع السيد مقتدى الصدر لأن التأييد الشعبي كان واسعاً جداً بحيث لم يعد من الممكن تجاهل هذا الجناح الكبير في المجتمع العراقي الرافض تماماً للاحتلال سواء قسماً منه لجأ الى السلاح والقسم الاخر لايزال يعارض الاحتلال بطرق سياسية وطرق سلمية.

د ع ض إ: حسب ما ذكرت انه ظهرت بشائر وحدة وطنية بسبب المقاومة الشديدة الغير متوقعة من قبل الحركات الشعبية فأدت الى ظهور بوادر وحدة وطنية ايجابية في الوقت الحاضر هل تعتقد ان هذا ممكن وكيف للحركات الوطنية المتمثلة بجريدتكم ان تساهم في بناء وحدة وطنية شاملة.

د. وميض: على الرغم من الالم الذي يعتصر قلب الانسان بسبب التضحيات العزيزة سواء في الانبار او في بغداد ، الكوفة، والنجف، والكوت، وكربلاء الاّ ان ما تفضلتم به من بشائر عودة الوحدة الوطنية على الاقل بين عرب العراق هو ثمن نعتز به كثيراً وقد الغى كافة المراهنات على ان الاستعمار او الاحتلال يستطيع ان يراهن على انقسام الشعب العراقي وانقسام عرب العراق والغى كل الاحتمالات التي كانوا يقولونها بانهم باقون في العراق لمنع حدوث حرب اهلية بين ابناء العراق المسلمين العرب ها هم ابناء العراق يحاربون سوية ضد الاحتلال الامريكي انا شخصياً كباحث في العلوم السياسية ومختص الى حد ما بالتاريخ السياسي لم تتزعزع ثقتي اطلاقاً لا قبل الاحتلال ولا بعد الاحتلال بأن الشعب العراقي في اعماقه التاريخية هناك كنوز من الوحدة الوطنية فنحن نتكلم عن مدرستين في دين واحد ربنا واحد رسولنا واحد(ص) قُرآننا الكريم واحد وفي كل تاريخ العراق حتى القديم والحديث والمعاصر لم تتواجد فتنة طائفية على الاطلاق وعلى الرغم من محاولات التفجيرات الارهابية التي حدثت في كربلاء وفي الكاظمية وضرب جوامع السنة ثم ضرب بعض الحسينيات للشيعة كانت من ايدي خارجية يغض الاحتلال النظر اليها وعلى الاغلب من جهات صهيونية، لم يتفجر الموقف اطلاقاً وأثبت الشعب العراقي وحدة وطنية وخاصة قبل أيام وقبل انفجار الاحداث الراهنة سارت مظاهرات من الكاظمية وعبرت الجسر المؤدي الى الاعظمية واستُقبلوا بالاحضان وتبادل العناق وجاءت هذه الاحداث لتنهي هذه الاكاذيب اي انقسام الشعب العراقي ونحن في الحقيقة التيار القومي العربي بذلنا جهداً كبيراً مثلاً من اجل صلاة الجمعة المشتركة سواء في الكاظمية او في مرقد الامام الكاظم او مرقد المجتهد الكبير ابو حنيفة عقدنا اجتماعات في جامع ام القرى والحقيقة ايضاً عقدنا اجتماعات متعددة مؤامرة السلطة الاعلامية والاستعمارية لم تنشر عنها اي شيء حيث تكلم فقهاء من المذهب السني وقد اكدوا على ضرورة الوحدة وتكلم فيها مناضلين قوميين ويساريين مع ذلك لم تنشر عنها الصحف كثيراً مع ذلك أحب أن اعترض بتواضع ان الفضل بالوحدة الوطنية لا يمكن حصره في التيار القومي العربي ولا في التوجه المخلص لهذا العالم الديني من بغداد وكذلك العالم الديني من النجف انما الوحدة الوطنية هي عميقة في التراث الشعبي مع ذلك انصح اخواني وزملائي ان يضعوا قضية الوحدة الوطنية في بؤبؤ عيونهم لأن هذه هي خطة الاستعمار (فرق تسد وخطتنا وحد وقاوم واستفق).

د ع ض إ: هل تعتقد ان هذه ممكن ان يتطور الى نوع من المشروع السياسي لقوى وطنية لها برنامج للاشهر القادمة.

د. وميض: نحن سعينا الى ذلك منذ بداية الاحتلال ولدينا اتصالات استطيع ان اقول انها واسعة ولاقينا كل استجابة من كافة الفئات التي اتصلنا بها وتيارنا بحد ذاته يضم افراد من ملل اسلامية متعددة وحتى من اثنيات عراقية متعددة ونعتقد ان من الضروري ان نطور برنامجا للوحدة الوطنية وعدم الاتكال كلياً على الوعي التاريخي لأننا نشعر ان هناك مؤامرات واساليب تخريب وتفجيرات كلها تستهدف احداث الفتنة الطائفية مثلاً بالنسبة للانتخابات نحن منذ البداية منذ تشكيل ما يسمى بمجلس الحكم قلنا ان بعض اعضاء مجلس الحكم نحن لانطعن فيهم من ناحية الوطنية اومن ناحية السمعة ولكنهم ارتكبوا خطأ كبيرا سياسيا انهم لم يصروا على موضوع الانتخابات وكان هذا لمصلحتهم لانهم عندما يناقشون الاحتلال ويطالبون بتصحيح الاخطاء الفادحة الموجودة الآن في العراق كأرتفاع البطالة كالفصل التعسفي للناس وعدم وجود حالة الامن يجعل مسألة الاستغلال يكونون في وضع اقوى عندما يكونون ممثلين على الاقل للشعب او على الاقل نتيجة تصويت شعبي في عملية الاستفتاء لكي يواجهوا الاحتلال بقوة متمتعين بشرعية شعبية وعندما طرح موضوع الانتخابات طبيعي نحن لا نستطيع ان ننكر ان قيمة آية الله العظمى السيد علي السيستاني الحسيني له مكانة كبيرة في هذا الطرف وهو الذي طرح موضوع الانتخابات فوجدنا تطابقاً في الموقف واعلنا تأييدنا لمبدأ الانتخابات ولموقف السيد السيستاني من هذه القضية ومن قبيل الصدف اننا كتبنا مقالة افتتاحية كبيرة نؤيد فيها مبدأ الانتخابات ونؤيد فتوى السيد السيستاني وكان كاتب المقال الدكتور حبيب الدوري وحسب معلوماتنا أن هذا المقال قد مضى بتأييد واعجاب حتى الذين يختلفون معنا في الرأي في حين ان قسما من الاخوة او الزملاء الذين ينتمون للمذهب الشيعي عارضوا الانتخابات وتجاهلوا فتوى السيد السيستاني واصوات قد تعود الى اختلاف وجهات النظر وفي الحقيقة قد تعود الى خوفهم من عدم الفوز في هذه الانتخابات في حين ان رأيي المتواضع ان قيام الانتخابات حتى لو اسفرت عن اغلبية شيعية كاسحة فأنا أجد ان حكماً من هذا القبيل افضل بكثير من حكم الاحتلال الامريكي ستكون هناك دولة ستكون هناك مؤسسات واجهزة وانا لا اعتقد اصلاً ان الاخوة حتى الاصوليين الشيعة يرغبون في الانفراد بحكم هذا البلد وانما قد اعلنوا مراراً وتكراراً انه ليس الهدف اقامة دولة اسلامية في المرحلة الراهنة انما اقامة دولة ديمقراطية حقيقية ان الاستعمار يخلق احياناً كوابيس ويصدقها بعض السُذج من ابناء شعبنا احياناً يتحدثون عن الكابوس الشيعي واحياناً يتحدثون عن الكابوس الكردي ومرة ثالثة عن الكابوس السني انا في حقيقة الامر وبشكل موضوعي لا أرى ثمة كوابيس الاّ كابوس الاحتلال ومحاولات صهينة هذا القطر العربي المناضل .

د ع ض إ: في العالم الآن توجد حركة واسعة جداً لتأييد نضال الشعب العراقي وهم دائماً يتطلعون الى الأراء ويريدون الارشاد من القوى السياسية العراقية الوطنية والتقدمية وكيف بهم ان يساعدوا نضال الشعب العراقي.

د. وميض: نحن لسنا ضد العولمة بمعناها الانساني الواسع نحن ضد الأمركة بمعنى الهيمنة الامريكية على اقتصادات العالم وثقافاته وانكار الثقافات الفرعية والمصالح الاقتصادية الوطنية رغم ما كان الامر هو سواء رغبنا في ذلك ان لم نخطئ. المسألة العراقية قد تم تدوينها وقد تمت عولمتها لذلك نحن نضع جزء اساسيا من نضالنا طبيعي نحن نعمل في الداخل ولا نريد ان نقلد المعارضة السابقة التي تحولت الآن الى علماء عندما اعتمدت على العواصم الاجنبية في انجاز مآربها نحن لا نريد ان نكرر هذا الخطأ لا بالنسبة للعالم الخارجي ولا بالنسبة للعالم العربي ولكن القضية العراقية تمت عولمتها وما لاحظناه بشكل يملأ القلب فرحاً هو المظاهرات الواسعة في مدريد 5 ملايين متظاهر ضد الحرب هذه اكبر مظاهرة في تاريخ اسبانيا انا وانت كنا زملاء في الاتحاد العام لطلاب العرب وكنا نشترك في مظاهرات الحرب في اثناء وضد العدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني لا اعتقد ان مظاهرة بحجم مليونين متظاهر خرجت في لندن عن اي مناسبة حتى في الولايات المتحدة مظاهرات كثيرة أناس منصفون اصحاب ضمير، انسانيون يؤمنون بمصلحة الشعب الامريكي في السلام وليس بأرسال اولادهم لكي يقتلوا دفاعاً عن مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وشركات صناعة السلاح لذلك جزء كبير من مستقبل العراق سيقرر بناءاً على تنامي هذه الحركة الديمقراطية السلامية المعادية للهيمنة والعودة الى عصور الاستعمار ولذلك نحن نجد في ايجاد صلات فكرية وعملية مع هذه القوى الديمقراطية ونذكر مواقفها الانسانية واحب ان أذكر ان في موضوع صراع الحضارات وفي الموضوع الذي يكرره البعض عن الحروب الصليبية والصراع بين الاسلام والحضارة المسيحية هذه المظاهرات التقدمية الديمقراطية السلامية في كل أوربا وامريكا قطعت الطريق واصبح هناك صف سلام ضد صف حرب ولم تعد المسألة دينية او حروب صليبية وهذه الفقرة قدمتها هذه القوى لمصلحة عالم موحد على اسس انسانية وعلى اساس احترام بعضنا الأخر وطبيعي ان العراقيين قد سَروا كثيراً بهزيمة السيد أثنار وفوز الجناح المعادي للحرب ونحن نأمل ان يتحقق شيء مشابه من هذا في البلدان الاخرى التي شاركت في العدوان وان كنا نضع المهمة الاساسية هي نضال شعبنا وقواه الوطنية في العراق.

الحقيقة يجب توضيح انه نحن عندما اصدرنا الجريدة كنا نفكر بأسم أخر كأن يكون النخاء الوطني او الجبهة الوطنية او جريدة التحرر وكنا نريد ان نبتعد عن رأي عصبيات أثنية ولكن لاحظنا جزء من مؤامرة الاستعمار ان الغالب الكبير في العراق هو العرب والعروبة هم يتحدثون عن قومية كردية ونحن نؤيد هذا الحديث كقوميين ديمقراطيين تقدميين نتعاطف كثيراً مع اخواننا في كردستان العراق هم يتحدثون عن قومية تركمانية ونحن نجد ان ذلك أمر يسعدنا ونحن نتمنى تحقيق الأماني المشروعة لشباب التركمان لكن يأتون للعرب لا يتحدثون عن العرب كشعب هناك شيعة وهناك سنة هناك عشائر وهناك اشكال اخرى فكأنما الشيعة والسنة ليسوا عرب وليسوا ديناً واحداً انما اديان مختلفة وتصل الوقاحة كأنما قوميات مختلفة في حين اننا نعلم ان الشيعة والسنة ينتمون الى قومية واحدة وناضلوا بشكل مشترك عبر سنوات وبشكل عضوي لذلك أخترنا هذا الاسم لهذه المرحلة لكي نتمكن من اعادة الاعتبار لكلمة العرب وللعروبة وانما تمضي هذه الموجة الناكرة بحقيقة الوجود العربي ربما نعود الى اسم أخر يتسع لقوى شعبية وسياسية وأثنية ومن اديان مختلفة في العراق وهذا ما احببت تفسيره.

د ع ض إ: هل هناك علاقة بين النضال العراقي والنضال العربي.

د. وميض: نعم ايضاً هو محاولة لابعاد العراق عن هويته العربية في الداخل لابعاده عن القضية الفلسطينية هذا الشيء لا يمكن ان يحقق بهذه البساطة عندما نرى شعبا اعزلا فنحن بطبيعة الحال نتعاطف مع نضال شعوبنا العربية ومع نضال شعوب العالم أجمع وعلى الرغم من بعض المرارة التي يشعر بها العديد من العراقيين أزاء تصرفات الحكام العرب ازاء العراق منذ عام 1991، الى سنوات الحصار المرة الى الآن فنحن يجب ان نفتخر بمقاومتنا وأحراجنا للاحتلال الذي كان ايضاً دفاعاً عن الشقيقة سوريا مثلاً وحتى ايران لأنه لولا المقاومة العراقية بمعناها السياسي والمدني لكان الامريكان في غمرة النشوة بالنصر السهل الذي يتصورون انهم حققوه لكانوا قد اعتدوا الآن على سوريا وايران وكذلك لكي نشعرهم بأن عليهم أن يخضعوا لحل عادل للقضية الفلسطينية وان الامة العربية ليست لقمة يستطيعون مضغها في اي وقت يشاؤون.